وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ


أم نبي الله موسى ، وردت قصتها في سورتين من كتاب الله، في سورة طه من الآية السابعة والثلاثين حتى الواحدة والأربعين، يقول الله تعالى:{وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى*إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى*أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِّي وَعَدُوٌّ لَّهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي*إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَن يَكْفُلُهُ فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ..}،وفي سورة القصص الآية السابعة يقول الله: {وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ}وفي الآية العاشرة يقول الله:{وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِن كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَن رَّبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ}وفي الآية الثالثة عشرة يقول تعالى:{فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ}لم يذكر القرآن اسم أم موسى صراحة، وذكر المؤرخون لها أسماء عدة، فقيل: باختة، وقيل: لوحا بنت هاند بن لاوى بن يعقوب، وقيل غير ذلك، ومن شدة بلاء هذه المرأة، ما ذكره المفسرون أن موسى u ولد في عام قتل فرعون للأبناء، فضاقت أمه به ذرعًا، وامتلأت خوفاً على وليدها! فكان الوحي لها من الله: {وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى}، أجمع العلماء على أن أم موسى ليست بِنَبِيَّة، وقال الجمهور: هو وحي إلهام كقوله: {وأوحى ربك إلى النحل}، وقيل أن الإيحاء هو منام، والأقرب أنه: إرسال ملك، كإرساله للأقرع والأبرص والأعمى، وهذا الإلهام الذي ألهم الله به أم موسى كان سبباً لنجاة موسى u، فأوحى إليها: {أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِّي وَعَدُوٌّ لَّهُ}سبحان الله! أي وحي هذا؟! تضعه في صندوق، ثم ترميه بالبحر، ثم يؤكد لها أن الذي سيأخذه وسيستقبله هو عدوه أيعقل هذا؟ أيها المؤمنون: أيمكن هذا أن يكون؟ هل يمكن أن يقبل هذا أحدٌ؟! هل رأيتم أُمًّا تضع ابنها في صندوق ثم ترميه في البحر ليستلمه عدوه؟ أي أم هذه! أي قلب يحتمل هذا الفعل؟! ماذا لو رأيتم أحداً يصنع برضيع هذا الصنيع، ماعساكم تقولون؟! وبأي تهمة ترمون وترجمون؟ كيف ومن ألقت الرضيع هي الأم؟! أي أم؟ وأي قلب؟ وأي فعل هذا الفعل منها يا الله! ألقت في البحر جنينها مهجتها روحها لسان حال كثير من الآباء والأمهات يقول: أي أم أنت يا أم موسى؟ أي قلب قلبك؟ وأي نفس نفسك؟ أتساءل في نفسي فأقول: يا ترى ماذا سيقول مثقفونا وماذا سيكتبون لو أن هذه الوقائع كانت قد حدثت بينهم؟! كيف يا ترى سيحررون ويبررون إن هي إلا أساطير؟ أو عنف وجنون؟! هكذا ربما يقولون! إنها معايير الإيمان لا يعرفها إلا من لامس الإيمان الصادق شغاف قلبه؟. إنها الاستجابة لله، إنه الحب الصادق لله
سطّروا قصة الحب بحروفٍ … … سوف تبقى عن البلى خالداتِ
هكذا الحب لوعة وامتثالٌ … … واشتياقٌ يصاغ في تضحياتِ
تدبروا أيها المسلمون في هذا السر العظيم .. تدبروا وأنتم تعيشون هذه الأيام أزمة وهجمة على عقيدتكم وإخوانكم المستضعفين في فلسطين، انظروا إلى إيمانكم! اجعلوا قصص القرآن كلها نصب أعينكم، إنها الثقة بالله، واليقين بوعد الله، لكن متى؟! إذا كانت العبودية التامة لله، إذا كانت الطاعة والاستجابة لله بمثل هذه الروح؟! فأين من يريدون النصر دون طاعة أو تضحيات؟ أو حتى مجرد ترك شهوات ومحرمات؟! ليس بيننا وبين الله نسب؟ بل بيننا وبينه {يعبدونني لا يشركون بي شيئاً}! بيننا وبينه الاستلام له والاستجابة، إنه الإسلام فكن مستسلماً لربك في كل شيء{وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُور}(لقمان 22).يا أهل القرآن: تدبروا في أحداث القصة، تعلموا من دروسها وعبرها: يا الله! كيف تـتحول مخاطرٌ محققةٌ إلى أسبابِ أمنٍ، إنها القدرة الإلهية، ألم تكن النار وهي نار تستعر برداً وسلاماً على إبراهيم ؟! فتأتي المشيئة الربانية هذه المرة بأحداث دراماتيكية يعجز اللسان عن وصفها، فأين القلوب عن الإيمان والتصديق الذي ينعكس في حياتنا وتصرفاتنا ومشاعرنا وأفعالنا، لقد أوحي الله إلى أم موسى: أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِى ٱليَمّ وَلاَ تَخَافِى وَلاَ تَحْزَنِى إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَـٰعِلُوهُ مِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ [القصص:7].سبحان الله! تفطنوا يا عباد الله! الإلقاء في اليم مظنة هلاك، لكنها هذه المرة لموسى سببُ نجاة! إنها قدرة رب الأرض والسموات؟! فاملئوا قلوبكم بالثقة بربكم فالأمر بيده، أحسنوا الظن بقدرته مهما اشتدت الأمور، فوقوع طفل من بني إسرائيل في يد جندي من جنود فرعون يعني الموت المحتم، فكيف إذا التقطه فرعون نفسه؟ إنها النهاية لا محالة، هكذا تقول عقول البشر. لكن ماذا يقول القدر؟! {إنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَر} تتدخل امرأة فرعون، ملكة القصر، صاحبة الأمر والنهي، لتقول بملء فيها: لاَ تَقْتُلُوهُ [القصص:9].هذا ما يتلوه علينا القرآن: {فَٱلْتَقَطَهُ ءالُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَـٰمَـٰنَ وَجُنُودَهُمَا كَانُواْ خَـٰطِئِينَ وَقَالَتِ ٱمْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّةُ عَيْنٍ لّى وَلَكَ لاَ تَقْتُلُوهُ عَسَىٰ أَن يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً} [القصص:7-9].سبحان الله! أين ذهبت قوانين فرعون؟ أين ذهب حكم الإعدام لكل طفل يولد هذا العام؟ أين ذهب خوف فرعون على زوال ملكه؟ إنه التحدي أن يولد موسى في العام الذي يقتل فيه المواليد؟ ونهاية التحدي أن يتربى موسى في بيت فرعون يأكل من طعامه وشرابه؟ عباد الله: إن ذرة من عقل لتؤكد أن هذا المولود الذي جاء بهذه الكيفية لهو المولود المقصود؟ هو من سيكون سبباً في زوال الملك؟ لا شك هو المطلوب؟ فيا سبحان ربي! أين ذهب التحريات؟ وأين تشديد المراقبات؟ من أعمى العقول؟ من أعمى الأبصار؟ أين المستشارون؟! لا أحد يُحذر أو يُنبه؟! لم يتكلم أحد؟ ولم يعترض أحد؟
عظيمٌ لا تحيط به الظنون بقبضته التحركُ والسكونُ
تعالى الله ُ خالقُ كلِ شيءٍ مُقَدِّرُهُ إلى وقتٍ يكونُ
إذا ما فُزْتَ منه بالتجلِّي فكلُّ شدائدِ الدنيا تهونُ
عبد الله! تأمل حين يصل الأمر منتهاه في التحدي لفرعون؟ ويكون الوفاء من رب الأرض والسماء لامرأة ضعيفة مسكينة، ماذا عساها أن تفعل أمام كل هذا الجبروت؟ ماذا بيدها أن تصنع مع كل هذا الإجراءات لقتل وليدها وفلذة كبدها؟! ما حالها حين أرضعته ثم وضعته في التابوت؟ ما هو شعورها حين سمعت أن صغيرها وقع بيد فرعون؟ آهٍ يا أم موسى؟! آهٍ لقلبك كيف صبرت؟! آهٍ لحالك كيف ثبت؟! أيها المؤمنون والمؤمنات: إنه قلب المؤمن مهما كانت الظروف؟ إنها الثقة بالله مهما كانت الأزمات؟ إنه اليقين بموعود رب العالمين يوم قال لها: {إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَـٰعِلُوهُ مِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ} لم تتردد؟ لم تتراجع؟ لم تفكر؟ بل وضعته بالتابوت وألقته باليم؟ لأنها تعلم يقيناً أن الذي وعد هو: الله مالك الملك، ووعده وأمره حق، فكانت رعاية الله وعنايته بموسى وأمه؟ {وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمّ مُوسَىٰ فَارِغاً إِن كَادَتْ لَتُبْدِى بِهِ لَوْلا أَن رَّبَطْنَا عَلَىٰ قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} [القصص:10]، سبحان الله! لو نطقت الأم لهلك موسى، لو فاضت مشاعرها فصرخت: (ولدي) لهلك ولدها، فسبحان من ثبت فؤادها، سبحان من ربط على قلبها. وفي هذا درس للمؤمنين في تنمية القدرة على ضبط انفعالات النفس وتسرعها خاصة عند الشدائد والأزمات حتى لا يصدر منهم ما يؤدي إلى هلاكهم..ثم تتوالى الرعاية والعناية الإلهية بأم موسى، فقد أرسلوا ابنها موسى مع القوابل والنساء إلى السوق لعلهم يجدون من يوافق رضاعته، فبينما هم وقوف به والناس عكوف عليه إذ بصرت به أخته فلم تظهر أنها تعرفه بل طلبت أم موسى من أخته أن تتتبع وتراقب من بُعد وَقَالَتْ لأخْتِهِ قُصّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَن جُنُبٍ وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ ٱلْمَرَاضِعَ مِن قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَـٰصِحُونَ [القصص:11،12]، وفي الآية إشارة إلى ما يؤكد إلى أهمية ضبط الانفعالات فقد روى ابن عباس: (لما قالت أخت موسى: وَهُمْ لَهُ نَـٰصِحُونَ قال فرعون: وما أدراك أنهم له ناصحون، قالت: لحرصهم على رضا الملك). فنجاها الله بعد أن كادت تهلك بكلمتها. معاشر المؤمنين والمؤمنات: لتزداد قلوبكم إيماناً ويقيناً وثقة بالله قفوا مع العناية الربانية حين حرم عليه المراضع؟ كلما جاءت مرضعة لم يُقبل عليها بل يردها، ويزداد التحدي فتُحرك مشيئة الله فرعون وقصره جميعهم ليبحثوا عمن يرضعه، فيا الله ما أعظمك! فكم سُخّرت من قوة وطاقة لتنفيذ مهمة قتل موسى، ولكن )وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ اللّهُ وَاللّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ(،فذهبوا مع أخته إلى منزلهم، فأخذته أمه، فلما أرضعته التقم ثديها، وأخذ يمتصه ويرتضعه، ففرحوا بذلك فرحًا شديدًا،
وإذا العناية لاحظتك عيونها نم فالمخاوف كلهن أمان
وذهب البشير إلى امرأة فرعون يعلمها بذلك، فاستدعت الملكة أم موسى إلى منزلها وعرضت عليها أن تكون عندها، وأن تحسن إليها فاعتذرت بأن لها بعلاً وأولادًا، فأرسلته معها، وأجرت عليها النفقات والكساوي والهبات، فجمع الله شمله بشملها، وهذا قوله تعالى: فَرَدَدْنَـٰهُ إِلَىٰ أُمّهِ كَىْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلاَ تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ [القصص:13].إي وربي لا يعلمون أن الله تكفل بحفظ دينه؟ وأنه وعد بنصرة أوليائه؟ أكثرهم لا يعلمون معنى الإيمان؟ ولا حلاوة الإيمان؟ ولا مناجاة الرحمن؟ لا يعلمون حقيقة التوكل؟ ولا تحقيق الثقة بالله؟ ولا معنى اليقين؟ أكثرهم لا يعلمون أن الله يملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته؟ الكثير الكثير لا يعلمون أن من أسباب نصرة الله للعبد صدق العبد في عبوديته؟ وصبره على الطاعة والمصائب؟ وصبره عن الشهوات والمحرمات من أجل الله؟ أكثرهم لا يعلمون أن المؤمن قد يُمتحن وقد يٌبتلى وقد يُسجن وقد تضيق به النكبات بل وقد يموت ولا يرى سوى القهر والعذاب، وأن الله يوفي الصابرين أجرهم بغير حساب؟ أكثرهم لا يعلمون أن البلايا والمحن طريق الجنان: أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ ٱلَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم.. [البقرة:214]. أكثرهم لا يعلمون أن النصر لا بد له من صبر، والصبر إنما يكون على البلاء. أكثرهم لا يعلمون أن الدنيا لا تساوي عند الله جناح بعوضة وأن الصابرين في نعيم وجنان وروح وريحان؟! أكثرهم لا يعلمون، وإن علموا لا يعملون ولا يوقنون؟ أكثرهم لا يعلمون حقاً: أَنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ فيسعون لتحقيقه بفعل الأسباب، وبذل المستطاع كما فعلت أم موسى، ثم اترك الأمر لمن بيده الأمر كله. بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من القصص والآيات والذكر الحكيم، أقول ما سمعتم وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

 

انما امره اذا اراد شيئا ان يقول له فيكون

About السيد ايهاب علي السيد علي السيوفي