تفسير حزب الآيات والأسماء – الجزء الثامن


الدرس الثاني – الجزء الثامن

 حزب الآيات والاسماء

الحروف وارتباطها بعوالم الموجودات واسم الذات الله 

الوجودُ حرفٌ، والحرفُ وجودٌ، فَهُمَا مَعًا يَتَمَاهَيَانِ، وهما معًا يتبادلان الأدوارَ في مرآة الحياة والذاكرة والدين والأسطورة والمخيالِ ، وفي فضاء الترميز بالقوة القَوَوِيَّةِ والتجريدِ المتعالي

ستر الله تعالى شجرةَ الحروف بثلاث شجرات  
شجرة العلم
شجرة العمل 
شجرة الحَالِ

فالعلمُ من العدم إلى الوجودِ والشهودِ ، والعملُ من الشهادة إلى الغيب الذي هو باب العدم ، والحالُ من العلم والعمل إلى النِّسبَة التي هي آخر الظُّلمة . فالإنسان يخرج من العدم إلى الوجود بالعلم ، ويَدخل في الغيب بالعمل، ويَخرج من الظلمة بالحال، فإذا كَمُل فيه العلمُ والعملُ والحالُ قطع الله عنه أغصان هذه الثلاثة ، فيصير عالمًا مُخبِرًا عن وجود أشياء كانت في معلوم الله قبل خلقها، وبذلك يكون مُحيطًا بشجرة اليقين التي هي شجرة الحروف المنخرقةُ إلى الكشوف ، حيث الأَلِفُ سِينُ سكينةٍ، والياءُ سِينُ سَلاَمٍ، يُثمِرَانِ لاَمَ اللقاءِ في عالم الالتقاء؛الذي هو الوجود، فالوجود حرفٌ لا تكون الكتابةُ إلا به ، والخَلقُ كتابة، والكتابةُ غرسٌ، والغرسُ نفْسٌ، والنفسُ وجودٌ . وهكذا تبتدئ دائرة الوجود بالحرف وتنتهي به وإليه . وخَلْقُ آدَمَ وتركيبُه له دلالة على هذا المنحَى ، فهو تركيبٌ على الحروف والأسماء ، فالعِلمُ بالأسماء موضوعٌ في قلبه ، وتصويرُها في صدره ، وتعبيرُها فيما بين حلقه إلى شفتيه، فالقلبُ طرَفٌ للعِلم، والصدرُ طرَف للتصاوير ، والفمُ طرَف للتعابير . وقد أَدَّى هذا التركيبُ إلى أن تُرَكَّبَ للحروف أدوات ، وأن تكون الحروفُ منقسمة على هذه الأدوات ؛ التي هي الحلقُ واللهاةُ واللسانُ والأسنانُ والشفتان . ومن هنا قال علي رض: لا يكون كَلاَمٌ حتى يجري على سَعَةِ الحَلق واللهاة واللسان والأسنان والشفتين ، لأن حروف العربية الثمانية والعشرين منقسمة على هذه الأدوات ، فحروفُ الحَلق جُزءٌ، وحــــروف الأسنان جزء، وحروف اللسان جزء ، وحروف اللهاة جزء ، وحروف الشفتين جزء. وإنما قيل إنها تسعة وعشرون لكون حرف(لا) يتكرر  وهو في الحقيقة حرفان مقرونان لامٌ وألفٌ

إن في حروف المعجم عِلْمَ البَدْءِ كُلِّهِ، وصفاتُ الله وأسماؤه من صورةِ حروفِ المعجم، وصورة ( أ ب ج د)، وفيها علمُ التدبير من لدن نشأة آدم إلى يوم الوقت المعلوم ، فأولُ ما بدأ من العلم أسماء الله تعالى ، وأولُ أسمائه اسم الذات(الله)، ثم الأسماء كلها بعد ذلك منسوبة إليه ولله الأسماء الحسني

إنه سِرُّ الحرف الذي خلق به الله الكون والكوائن ، وأودعه في طبع الإنسان الذي أوجده على صورته بكلمة  كُنْ، وحظ المخلوق من كلمة  كن  ما علم من حروف الهجاء، فالله جعل فيه مجموعَ رقائق العالم كله، فمن الإنسان ، إلى كل شيء في العالم ، رقيقةٌ واحدة ممتدة ، ومن تلك الرقيقة يَكون ذلك الشيء الذي أودعَه الله في الإنسان ، وأمَّنَه عليه ، فبهذه الرقيقةُ يُحرِّك الإنسان كل شيء إلى ما يريده ، فما من شيء إلا وله أثر في الإنسان ، وللإنسان أثرٌ فيه، إذ الكون كله شجرة حروف، أصلُ نورها في حقيقة كُن، وكلما أَوْغَلَ المرء في هذه الحقيقة امتلك الكون، وصارت في يده شجرة حروفه يهزها كيف يشاء، ويُصرِّف ظلالها أَنَّى شاء

ولهذا الاعتبار كان الصوفية هم أول من بحث في إشكالية الأبجدية وعلاقتها بالوجود ، وعَبَرُواْ بها من فضاء الظاهر إلى فضاء الباطن في أُنظومة تتغيا العُـــمـــــــقَ الأونطولوجي والبُعدَ الإبِّيسْتِيمُولُوجِي، بَعِيدًا عن السكَن في الغُرَف التي تتنَفَّسُ فيها أبجديات الظاهر بزَمنِه المستبِّد، مُعتَبِرينَ أن الزمن ليس أصلا في الحق ، وإنما هو أصل في الكون ، وزمنُ الإنسان هو ما في نفسِه  ومن ثمة كانت الأبجديات التي ينفتح أفقها على النفعِ أبجديات قاصرةً وغيرَ سالكة كالأبجدية المُعجمية، والأبجدية الفلَكية والأبجدية العدَدية ، والأبجدية السيمائية ، وذلك لأن مرجعياتها مقتصرة على النهائي ، أما الأبجدية التي ينفتح أفقُها على ماهيةِ جوهرِ الجوهرِ فهي السالكة ، لأن مرجعيتها متجذرةٌ في اللانهائي ومفتوحةٌ على الزمني واللازمني

من هذا المنطلق المشدود إلى اللانهائي خرجت الأبجدية الصوفية (أبجدية الوجود)، التي رأت الوجودَ مُرتبًا في أبجدية خاصة؛ كل حرف منها يُقابلُ مرتبةً من مراتب هذا الوجود، ويدل عليها بكثافة رمزية، وحميمية قطعية؛ في دراسة بعنوان  تجليات الحرف عن سيدي ابن عربي

هل نحن مطالبون بمعرفة مراتب الحروف الفكرية واللفظية والرقمية او ماهية علاقة الحروف بالعناصر الاربعة والمنازل الثمانية والعشرين؟

قال رسول الله صل الله عليه وسلم انا مدينة العلم وعلي بابها وفي حديث اخر ذكر سيدنا علي انه تعلم سبعون حرفا ولكل حرف الف حرف، فهل يستطيع المريد في زمن الاحداث ان يصل لنفس الدرجة العلمية وهل يشغل المريد والشيخ انفسهم بذلك ام بالوصول لطريق السالك ومعرفة الله؟

الحروف النورانية

ذكرت الحروف النورانية في 29 سورة في بداية السور ونتحدث عنها تفصيليا في مقال اخر، وهي

الر حم كهيعص طس ق ن

لقد خصَّصَ سيدي ابن عربي لحروف أوائل السور القرآنية وأسرارها عدة قصائد في ديوانه الكبير؛ منها قصيدة تُنَيِّفُ على عشرين بيتًا، يقول فيها : الوافر)

حُرُوفُ أَوَائِلِ اٌلسُّوَرِ يُبَيِّنُهَا تَبَايُنُهَا 
إِنَ اٌخْفَاهَا تَمَاثُلُهَـــا لَتُبْدِيهَا مَسَاكِنُهَا
فَمَا أَخْفَاهُ مُضْمَرُهَا لَقَدْ أَبْدَاهُ كَائِنُهَا

وقصيدة أخرى تبلغ ثلاثة وثلاثين بيتًا ، يذكر فيها الحروف المقطَّعة في أوائل السور القرآنية ، مَطْلِعُها :  الوافر
أَلِفْ لَمْ مِمْ وَذَلِكَ مَا أَرَدْنَا مِنِ اٌنْزَالِ اٌلْكِتَابِ عَلَى وُجُودِ
وخاتمتُها 
أَلاَ إِنَّ اٌلْبَرَاءَةَ مِنْ قُيُودٍ لَأَوْثَقُ مَا يَكُونُ مِنَ اٌلْقُيُودِ

ويَبلغ عددُ السور القرآنية المبدوءة بحروف مقطُّعة 29 سورة ؛ منها ما بَلغَ عددُ الحروف المقطعة فيها خمسة حروف وهو الأقصى (كهيعص) ، ومنها ما لم يتجاوز حرفًا واحدًا (ص، ق ، ن) . وبذلك يكون عددُ الحروف في أوائل السور ثمانية وسبعين حرفًا بالتكرار ، وبعد حذف السور المكررة فيها الأحرف يبقى ستة وثلاثون حرفًا، وبعد حذف الأحرف المكررة يكون العددُ أربعة عشر حرفًا ، أي نصفَ حروف العربية ، وقد تعددت الآراء فيه بين مذهب أهل الظاهر ومذهب أهل الحقائق العارفين، فمنهم من أوَّل ومنهم مَن أعرضَ عن التأويل، ومنهم مَن جعل هذه الحروفَ مُسَمَّياتٍ للقرآن، ومَن جعلها مدلولاً على أسمائه تعالى ، ومنهم كذلك مَنْ أَوَّلَ هذه الحروف وأرجعها إلى 
أسماء من أسماء الحق ، فقال في ( الم) : الألف يدل على اسمه ( الله) ، واللام على اسمه لطيف   والميم على اسمه ( مجيد ) . فالألفُ آلاَءُ الله ، واللامُ لُطفُه، والميمُ مَجْدُه
عَدَدِ السِّنين ، حيث ربطها بها . كما حكى ذلك ابن كثير في تفسيره حين قال : الأَلِفُ سَنة ، واللامُ ثلاثون، والميمُ أربعون سنة

كونِها لها تعلقٌ بأسماء ِ الملائكة 
كونِها لها ارتباطُ بمَدارات الفلك والكواكب والطِّلَّسْمَاتِ
كونِها رمزًا لعلِمٍ مُعيَّن من علوم الحق ، اختصَّ به أهل ولايته المتحققين دون غيرهم ، لأنها من علوم اللوح

وهذه الحروف الأربعة عشر (ا ل م ص ر ك هـ ي ع ط س ح ق ن) يَجمعها قولك : نَصٌّ حَكيمٌ قَاطِعٌ لَهُ سِرٌّ، والحكمةُ من ذكر الأربعة عشر حرفًا هذه دون الأربعة عشر الأخرى هو – على حسب قول الزمخشري كونُها مشتملةً على أصناف أجناسِ الحروف، من المهموسة والمجهورة ، ومن الرخوة والشديدة ، ومن المُطْبِقة والمفتوحة ، ومن المستعلية والمنخفضة ، ومن حروف القلقلة والغُنّة ، فهذه الحروف الأربعة عشر هي أُصول العربية ولُبُّها ، حوت كل فنون لغة العرب، وبدونها تكون اللغة لاشيء ، وقد كثرت المشتقات منها، حتى أنها يتكون منها غالب المُعْجَمِ ، والعلومُ كلُّها في حروف المُعجَمِ، وقد قال الحكيم الترمذي في نوادر الأصول إن فواتح السور فيها إشارة إلى ما تضمَّنته السورة من المعاني ، ولايَعلم ذلك إلا حكماء الله في أرضه ، وهم قومٌ وصلت قلوبهم إلى الفردانية، وتناولوا هذا العلَم من مشكاتها ، وهو علمُ حرفِ المعجم، والعلومُ كلها لا يُعبَّر عنها إلا بهذه الحروف ، فبالحروف ظهرت أسماؤها حتى عَبَّر عنها الناس بالألسنة

فعلوم الحروف والأسماء – كما قال الإمام أبو زيد بن محمد في شرحه لحزب البَرِّ الكبير للإمام الشاذلي – من علوم الكشف ، ولا فائدة في التصرف فيها والكلام عليها ببضاعة العقل . وعلمُ الكشف لا يَعرفُه مَن جهله ، ولا يجهله من عرفه ، وكلُّ على حسب ما فُتِح له ، ولذلك يتفاوتُ فيه أهلُه، ويقع الاختلاف بينهم فيما يُشيرون إليه فيه، ألم يقل القطب الدسوقي : إنني أشرُح في نقطة الباء سبعةَ أحمَالِ بعيرٍ، فتتقطَّعُ قلوب العارفين ، وتميلُ عند معرفة نقطة الباء

إن هذه الحروف هي المعجم، والعلوم كلها في حروف المعجم، ومبتدأُ العلم أسماءُ الله ، ومنها خرج الخَلقُ والتدبيرُ، والأسماءُ من الحروف ظهرت وإلى الحروف رجعت ، فلو كان سِوى الاسم شيءٌ من العِلم يُحتاج إليه لعَلَّمَه الله آدم ، ولكن لَمَّا علَّمه الأسماء كلَّها عُلِمَ أن جميع العِلم داخل فيها

أَتَزْعُمُ أَنَّكَ جِرْمُ صَغِيرٌ وَفِيكَ اٌنْطَوَى اٌلْعَالَمُ اٌلْأكْبَرُ، اخلصوا وصفوا القلوب وكونوا تطبيقا لاسم الله واعبدوه محبة وشوقا يدهشكم عطائه

قراءة الاسم الأعظم من ناحية حروفه المكتوبة فقط (ألف ،لام ، لام ، هاء) توقفنا على الحقائق التالية

إن عدد حروف هذا الاسم أربعة ، وهو عددُ حروف أسماء الأنبياء الأربعة : داود ، موسى ، عيسى، محمد، وعددُ الكتب المنزَلة عليهم .فما السر في هذا التوافق العددي في حروف أسماء هؤلاء الأنبياء واسم الجلالة، وعدد الكتب التي أُنزلت عليهم؟
إن الله تعالى هو الوجود المحض، وهو الذات المتصفة بالصفات والمسمَّاة بالأسماء  والفاعلة للأفعال. وكل حقيقة من الحقائق الحقية والخَلقية أنزلها على نبي من أنبيائه ليتعرَّف على ربه ويُعرِّف بها قومَه الذين أُرسل إليهم

إن الكتب التي أُنزلت على هؤلاء الأنبياء تختلف في ماهية التعبير عن الذات الإلهية من حيث التجليات

فالزبور : أنزله الله على داود آيات مفصلات ، ولكنه لم يخرجه إلى قومه إلا جملة واحدة بعد ان أكمل الله تعالى نزوله عليه ، وهو عبارة عن تجليات أسماء الأفعال الإلهية، وأكثره مَواعظُ ، وبَاقِيهِ ثناء على الله بما هو له فيه

والتوراة : أنزله الله على موسى في تسعة ألواحٍ؛ هي : النور ، الهدَى ، الحِكمة ، القُوى ، الحُكم ، العبودية ، النَّجْدَان (أي وضوح طريق السعادة من طريق الشقاوة)، الربوبية ، القدرة . وهذه الألواح التسعة التي تُكَون التوراة هي عبارة عن تجليات جملة أسماء الصفات الإلهية فقط

أما القرآن فقد أنزله الله على سيدنا محمد مُنَجَّمًا، وهو عبارة عن تجلي الذات، وعن تجليات الأفعال والأسماء والصفات الإلهية، ومن ثمة كان عبارة عن الذات التي تضمحل فيها جميع الصفات ، لكونها المَجْلَى المسمَّى بالأحدية المنزَلة على محمد ، ليكون مشهدُه الأحديةَ من الأكوان

ويترتب على هذه الحقائق خمسُ ملاحظات

إن أي واحد من هؤلاء الأنبياء الرسُل السابقين على محمد لم يُنزل الله عليه المجموع الذي هو تجلي الذات،ولذلك لم يكن أحد منهم خاتم الأنبياء والرسل، ولم تكن رسالته خاتمة الرسالات السماوي

إن أي واحد منهم لم يُرسل إلى البشرية جمعاء ، بل أُرسل كل فرد منهم إلى قومه فقط ، وذلك لأن معرفة الله على الكمال ، أي معرفة ذاته وصفاته وأسمائه وأفعاله تعالى على الكمال لم تحصل بعد

إن القرآن هو الكتاب الجامع للكتب المتقدمة والمحتوي على معرفة الله تعالى على الكمال لأنه يحتوي على تجلي الذات الإلهية الذي يقتضي بالضرورة احتواءَ تجلي الصفات والأسماء والأفعال. ولهذا كان آخر الكتب، وكان محمد ص الذي أُنزل عليه خاتم الرسل والأنبياء والرسالات ، ورسولاً للبشرية جمعاء

إن هذه الكتب يتميز بعضها على بعض في الأفضلية بقَدر تَميز المُرسَل بها على غيره عند الله ، وإن كانت كلها من مشكاة واحدة ، وتدعو إلى عبادة إله واحد ، والدليل على هذا قوله ص سورة الفاتحة أفضل القرآن، فإذا صحت الأفضلية في القرآن بعضه على بعض ، فهي في الكتب السابقة أَوْلَي

إن القرآن هو الرابع بين هذه الكتب، والأربعة بلا شك تتضمن الأعداد التي قبلها وتحتويها ، ولكن ما قبلها لا يُمكن أن يحتويها ، فهي رمزٌ لعدد حروف اسم الله المكتوبة ، ورمزٌ للقرآن الذي هو ذات الله

وإذا رجعنا إلى أصل اسم  الله فسنجد أنه هو  الإله، ولكن الألف الوسطى اسقطت منه، وأُدغِمَت اللام في التي تليها ، فصارت الكلمة  الله، وعلى هذا الأساس فإن الأصل مُكون من سبعة حروف ستة رقمية (كتابية)، والسابعُ الواو الظاهرة في إشباع الهاء هكذا ( ا ل إ ل ا هـ و)، وهي عينُ السبعِ الصفات التي هي الأُلوهية وإذن؛ فحروفُ أصلِ اسمِ  الله تَفرضُ قراءة أخرى تستكنه معناها، وتستجلي صفات الأُلوهية المُضَمَّنَة فيها

فالألف الأولى : هي عين اسمِه الحي ، فحياة الله تعالى سارية في جميع الوجود، كسريان الألف في جميع الحروف فالألف هنا رمز لهذه الحياة السارية في الكون حِسّا ومَعنى
واللام الأولى : هي الإرادة التي كانت أولَ تَوجُّه من الحق في ظهور العالم ، كما أشار إلى ذلك الحديث القدسي كنُتُ كنزا مَخفيا لا أُعرف، فأحببتُ أن أُعرف، فخلقتُ الخلق، فبي عرفوني، وليس الحب إلا الإرادة
والألف الثانية : هي القدرة السارية في جميع الموجودات الكونية ، إذ الموجودات كلها داخلة تحت سُلْطان القدرة واللام الثانية : هي العلم ، وهو جمال الله تعالى المتعلق بذاته وبمخلوقاته . فقائمة اللام مَحلُّ عِلمه بذاته، وتعريقُها مَحلُّ عِلمه بمخلوقاته ونَفْسُ الحرف هو عين العِلم الجامعِ
والألف الثالثة : هي السمعُ السامعُ ؛ الذي يُجلّيه منطوقُ وإِنْ من شيء إلا يُسبّحُ بحمده

والهاء: هي بَصَرُ الله ، فدائرة الهاء تدل على إنسانِ غيبه المُحيط الذي ينظر به إلى جميع العالم ،والعالم هو البياض الموجود في عين دائرة الهاء . وفي هذا إشارة إلى أن العالم ليس له وجودٌ إلا بِنَظَرِ الله تعالى وإليه إِذْ لو رفعَ نظره عنه لَفَنِيَ بأجمعه ، كما أنه لو لم تَدُرْ دائرة الهاء على النقطة البيضاء لم يكن لها وجود البَتة ، ومع وجودها فهي باقية على ما كانت عليه من العدم ، لأن البياض الموجود قبل استدارة الهاء موجود بعدها ، وكذلك العالم مع الله على حالته التي كان عليها قبل أن يَخلقه الله

والواو : الظاهرة في إشباع الهاء ، هي مَعنى يُشير إلى كلام الله تعالى ، وعَدَدُها في المرتبة السادسة ، ومن ثمة تُعتبر رمزًا لِلسِّتِّ الجهات التي غايةُ نهايتِها كمالُ العرش الرحماني المنسوبِ إلى كل جهة . فكما أن كلام الله لا نهاية له كذلك المخلوق الداخل تحت حيطة العرش مُمكِنٌ ، ولا نهاية للمُمكِن ، فعدمُ النهاية في الواجب الوجود ظهَرَ بعينه في المُمكِن الجائز الوجود والعدم

إن هذه السبعة الأحرف هي عين معنى اللهِ وصورتِه اسمًا وذاتًا ، وليست سواه، وهي هي . فالحق تعالى تَسمَّى باسم  الله قبل أن يخلق العالم ، إن إسم  الله هو أعلى الأسماء ، وأعْلَى مَظاهرِ الذات مَظهر الألوهية، إذ له الحيطةُ والشمول على كل مَظهر ، وهَيمنةٌ على كل وصف أو اسم فالأُلوهية هي أُمُّ الكتاب، والقرآن هو الأَحَدِيَّة ، والفرقانُ هو الواحدية القرآنية . والأَحَدِيَّةُ هي أعلى الأسماء التي تحت هيمنة الألوهية ، والواحدية أولُ تنزلات الحق من الأحدية، فأعلى المراتب التي شملتها الواحدية هي المرتبة الرحمانية ، وأعلى مظاهر الرحمانية في الربوبية، وأعلى مظاهر الربوبية في اسمه المَلِك، فالمَلَكِية تحت الربوبية ، والربوبية تحت الرحمانية ، والرحمانية تحت الواحدية ، والواحدية تحت الأحدية ، والأحدية تحت الألوهية ،لأن الألوهية هي إعطاءُ حقائق الوجود وغير الوجود حقَّها مع الحيطة والشمول ، والأحدية حقيقة من جملة حقائق الوجود. فالألوهية أعلى ، ولهذا كان اسم الله أعلى الأسماء

Leave a Reply

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

About ال البيت الحبيبية الادارسة

السادة الاشراف الحبيبية العمرانيين الادارسة الحسنية الحسينية الهاشمية